عادة لانعير النفس
(الانا/الذات) اي اهمية الى حين الطعن فيها (الانا)، عندها يظهر
مدى تعقد الامور. معايشة مشاعر الانا ووعي الذات او النفس تخلق
من قبل مركز دماغي بالارتباط مع بقية مناطق الدماغ، ولكن كل ذلك
يصهر الى بعضه البعض ي وحدة لاتنفصل من منطقة خلف العينين، حسب
ماأظهرت التجارب الحديثة.
فقدان
الاحساس بإنتماء الجسد احد المصابين ويدعى جون، وهو ذو
بنية جميلة،الى درجة من الصعب الاعتقاد بأنه مريض، يقدم يده الى
الطبيب، حيث يظهر عليها بوضوح آثار الحمض الذي آزال الجلد من
عليها، بحيث ان جزءاً كبيرا من اللحم والعظم كان مكشوفاً. ومن
المثير ان جون نفسه ليس متأثراً اقل تأثير ، فهو يعيد يده الى
جيبه بهدوء وكأنها ليست يده
عالم الاعصاب المعالج، اسمه Todd Feinberg, ومن عاملي
معهد البريت إينشتاين كولدج، في نيويورك، يذكر في كتابه المسمى
"Altered Egos", ، بعد خبرة 25 عاما من البحث، حول ظاهرة
الاضطراب في فهم الذات والنفس، التي تحدث بعد حدوث اضرار في
الدماغ. بالإضافة الى مساعدة المصابين بامراض صعبة في الدماغ،
فأن تجارب الدكتور تود فاينبيرغ كانت تسعى ان تفهم مفاهيم "
الانا اوالذات والنفس والشخصية" البشرية، في واقعها البيلوجي.
كيف تتمكن بنيةالدماغ المعقدة من معرفة الانا واستيعاب وعي الذات
عند الانسان؟ هل يملك "الانا/الوعي بالذات/الشخصية" مركزه الخاص
في الدماغ، ام انها وظيفة منتشرة على جميع اقسام الدماغ؟
خلال مسيرة ابحاث الدماغ انتقل الباحثين بين عدة نظريات،
من نظرية تقول ان "الانا/ الذات/ الشخصية" موجودة في مركز معين
الى نظرية جديدة تقول انها منتشرة في منظومة الاعصاب بكاملها.
الموديل الجديد والاخير ينطلق من ان الموديل الصحيح عن الذات
موجود في الوسط بين الموديلين السابقين. من الواضح ان الدماغ
بكامله يقدم مساهماته لخلق الشخصية ولكن منطقة معينة في منطقة
الفص الامامي لها دور متميز.
عندما ننظر الى نمودج جون،
نجد انه شخصياً كان الاقل علماً انه لايعلم عن ذاته/ نفسه،
بالقدر الذي يعلم الاخرين عنها. خرج جون من المستشفى معافى
ظاهريا، بعد بقائه فيها لبضعة اسابيع عقب اصابتة في الدماغ. في
البيت، وفي احد الايام رأت زوجته كيف فقد جلده بلامبالاة، عندما
وضع يده في الحامض الذي استخدمه لتنظيف المجاري. كانت زوجته
مندهشة من لامبالاته الكاملة.
ابحاث الدكتور فاينبرغ اظهرت ان جون قادر على إنجاز كافة
الاختبارات العصبية الاساسية بنجاح . لقد كان بإستطاعته استخدام
يده بدون صعوبات، ولم تكن فاقدة لحساسيتها تجاه الالم او الاحساس
بالضغط. غير ان تصوير اشعاعي للدماغ كشف ان اجزاء من نصف الدماغ
الايمن والجانب الايسر من الفص الامامي قد تضرروا بسبب صدمة
الدماغ. الاصابة ادت الى مايسميه خبراء الاعصاب "نقص في التعريف
بالنفس"، الامر الذي شمل اليد والذراع، بحيث ان الدماغ لم يعد
يعيرهم اهتمامه، مما يوضح اسباب سلوك جون الغريب. الناس المصابين
بهذا النوع من الاعاقة يسببون إصابات ضارة لانفسهم بكل سهولة،
ومن الضروري تنبيههم للاخطار اليومية المعرضين لها بإستمرار.
من الصعب على الاصحاء فهم الاشخاص الذين يعانون من
اضطرابات معرفة"الانا/الذات" بسبب اضرار عصبية. بالنسبة للانسان
الصحيح تستيقظ "الذات" في نفس اللحظة التي يقرع فيها المنبه عند
الصباح، ولايحتاج الامر الى جهود خاصة للوعي بها عبر مرور الزمن.
غير ان الابحاث تشير الى ان هذه السهولة الظاهرة ليست إلا وهم
يترآى لنا، إذ ان الذات عملية معقدة للغاية وتستهلك طاقة كبيرة.
هذا الامر لاينتبه له الشخص السليم ولايستطيع تصوره.
عندما نفقد القدرة على التعرف على
شريك/شريكة الحياة العوارض المرضية المسماة Capgras,
هو نموذج آخر على نقص/ضرر يصيب وعي"الانا/الذات/النفس" البيلوجي.
المصاب بهذه العوارض يفقد الشعور، بأن بعض الاشخاص او الاشياء او
الاماكن لها روابط قريبة به. في دماغ الانسان السليم، تطلق نبضات
مشاعر خاصة عند رؤية الابناء او الزوجة او الحبيبة، تختلف عن
النبضات التي تنطلق بسبب اشخاص اخرين. هذه وظيفة هامة تقوم بها
"الانا/الذات/النفس" ، مما تجعل من الممكن لنا ان نعين توجهاتنا
في شبكة العلاقات الشخصية اليومية. الانسان المصاب بمرض Capgras,
يتعرف بسهولة على القريبين منه، ولكنهم لاتنشا عندهم مشاعر خاصة
ولايعايشون الانسجام والحب والامان الذي يخلقه جو الاسرة. لهذا
السبب يمكن ان تخلق لديهم هلوسات وكأن اقرباءهم قد ابعدوا عنهم
وجرى تعويضهم بنماذج مشابهة مزورة.
عالم اعصاب
الدماغ الفرنسي Joseph Capgras, كتب عام 1923 وصفاً لامرأة تبلغ
53 من العمر، كانت تشكو من ان زوجها تم تبديله بنسخة اخرى وان
زوجها الحقيقي قد قتل. كما ذكرت ان النسخة مزورة بإتقان، ولذلك
لايمكن لغيرها ان يكتشف الخدعة. المرأة استطاعت ان تقدم مالايقل
عن 80 علامة مميزة لزوجها، مما يشير الى قدرتها التامة على
التعرف عليه.
مرض كابغراس ليس غير عادي عند المصابين بالنوبات
العقلية او النسيان عند العجائز. عادة يؤدي الى نشوء التخيلات
المهلوسة عن الغرباء. إيضاحات هذه الظاهرة تغييرت عدة مرات، عبر
الزمن، بالرغم من انها دميعا قريبة من بعضها. احدى هذه الايضاحات
تقول، بأنه عند الاصابة يتضرر الرابط بين الهيبوكامبوس المهم عند
إنشاء مكان في الذاكرة القصيرة، وبين بقية انحاء الدماغ حيث
المعلومات السابقة مخزنة في الذاكرة الطويلة، وبالتالي يُفقد
الارتباط بين القديم والجديد، مثلا العلاقة بالزوج، مما يعني ان
على المصاب ان يبحث عن شريك جديد لكل مرة سيجري فيه تخزين
معلومات عن مثل هذه العلاقة في الدماغ.
اين مكان الشعور على"الانا/الذات"؟ مالذي
يتعلمه المرء من كل هذه الاصابات الدماغية المؤثرة على إظهار"
الانا/الذات"، والتي لاحظها اختصاصي الدماغ والاعصاب؟ Feinberg,
يصل الى استنتاج ان " الذات/ الانا" ليست موجودة في مكان محدد من
الدماغ، وانما متوزعة على كافة الوظائف. كل إصابة من إصابات
الدماغ، تقود الى نوع متميز من التغيير في سلوك "الانا/الذات/
الشخصية" وهذا الامر مؤشر واضح على ان المرضى المصابين بإصابات
متشابهة في الدماغ ينشأ لديهم إضطرابات في التعبير عن الذات،
متشابهة.
لربما هذا الاستنتاج ليس مفاجأة، إذ ان "
الانا/الذات" تضع بصماتها على اغلب النشاطات. هذه البصمات هي
التي تقول لك، مثلا، ان اليد التي نرفع بها كأس الشاي هي يدك،
وان الصورة المنعكسة في المرآة هي لك بالذات. للانسان المصاب
بأحد انواع مرض Capgras تختفي لديه القدرة على اعتبار صورته
المنعكسة في المرآة هي تعبير عنه بالذات.
احدى النساء
المصابات بالصمم، واسمها سوزان، كانت تتكلم لفترات طويلة مع
صورتها في المرآة، باللغة الصم، والعجيب انه كانت لديها القدرة
على القول الكثير عن شخصية سوزان " الاخرى"، المشابهة لها في
العديد من النقاط، ولكن ليس في جميعها. سوزان لم تستطع التعرف
على ان الصورة في المرآة هي لها نفسها، بالرغم من انه لم يكن
لديها مشكلة في التعرف على الاخرين، اي انه لم يكن لديها القدرة
على استيعاب مفهوم " الانا".
احدى اهم وظائف " الانا"،
إيجاد مكان لنا في الهرم الاجتماعي، ووضع هدف للمستقبل. هذا
الامر وضع العديد من علماء الاعصاب في تصادم مع إستنتاج
فاينبيرغ، عن كون الانا منتشرة في الدماغ. لقد توضح لنا ان بعض
الامراض الدماغية تصيب بالضرر اولويات الاستراتيجية العليا اكثر
من غيرها. شخص مصاب ببدايات فقدان الذاكرة الشيخوخي (demens),
ومكانه في الجبهة يفقد الرغبة تماما بتحضير الطعام او اللبس. شخص
اخر فقد قسم كبير من الغطاء الدماغي الرمادي، ومع ذلك يستمر في
احس الحالات بأداء وظائفة بدون اي اعراض. مما يشير الى انه من
الممكن انه بعض المناطق من الاسهل على " الانا" ان لاتكون فيها،
بالمقارنة مع مناطق اخرى من الدماغ.
لهذا السبب قام الكثير من علماء الاعصاب بالبحث عما إذا كانت "
الانا" تملك مركز إدارة خاص بها على غرار وظيفة الحركة. من اجل
ايجاد السمات التجريدية الاكثر تعبيراً عن "الانا/الذات" قام
الدكتور Todd Heatherton, بوضع اشخاص التجربة في جهاز التصوير
الاشعاعي، لتصوير التغييرات التي تطرأ على مناطق النشاطات
الدماغية اثناء ممارسة عمل عقلي. في نفس الوقت اعطيت لهم قائمة
عليها اسماء صفات مختارة، مثلا: شجاع، موثوق، حزين. على
المشاركين قراءة القائمة والاجابة فيما إذا كانت كل صفة على
انفراد تنطبق عليهم ام على مثلا جورج بوش. من خلال التصوير
الاشعاعي كان بإستطاعة الباحثين مراقبة التتطورات التي تحدث في
الدماغ وتحديد مكانها عندما يتعلق الامر بالاختيار الذي يمس
الشخصية.
لقد كان الوضوح كبيراً بين المناطق المسؤولة عن
"الانا" والـ "هو". خصوصا عندما تعلق الامر بالمنطقة الواقعة في
الجبهة الامامية بين النصف الايمن والنصف الايسر من فلقتي
الدماغ، بالضبط خلف العينين: هنا تسكن " الانا"، حيث تتفاعل مع
كل شئ يمس الذات.
هذه الاكتشافات يمكن ان تكون مكملة
لبعضها مع إستنتاجات Feinberg, إذ ان هيزيرتون لايرى ان " الانا"
بكل حدودها تجلس خلف العينين، ولا إنتشار لها في مناطق اخرى، بل
انه يرى ان هذه المنطقة تلعب دور " البدالة، على الاغلب،"، حيث
تقوم بربط مراكز معلومات الخبرة ومعايشة المشاعر، ومصادر نبضات
المشاعر، ببعضها لتركيب الصورة كاملة. وإذا فقد المرء مركز
التحكم هذا، تبقى لديه " الانا" في حالتها السلبية والمضطربة.
وإذا كانت " الانا" تملك مكتبها الرئيسي في منطقة
الجبهة، يمكن ان يعني ذلك الكثير لمعالجة مجموعة من الامراض.
مثلا، إذا كان المريض مصابا بإضطرابات في التعرف على " الانا"
فنحن نعرف الان انه من المحتمل ان يكون السبب ان احد الاوردة
الدموية المغذية لمنطقة الجبهة قد اصيب بالخلل. في هذه الحالة من
الضروري تتطوير ادوية خاصة يمكنها ان تكون نشيطة ومؤثرة على
العوامل الفاعلة في هذه المنطقة بالذات، وليس لها اي تأثير على
المناطق الاخرى.
|